أحمد مصطفى المراغي
96
تفسير المراغي
المعتصم في البروج والحصون وهو في غضارة العيش فلا عذر لكم أيها المثبطون المبطئون ولما ذا تختارون لأنفسكم الحقير على العظيم ؟ ولما ذا لا تدافعون عن الحق وتمنعون الشر أن يفشو حتى تستحقوا مرضاة اللّه وسعادة الآخرة ؟ ولما ذا تكرهون القتال وتجبنون وتخافون الناس وتتمنون البقاء ، أليس هذا بضعف في الدين وركّة في العقل وخور في العزيمة تؤاخذون بها وتقوم عليكم بها الحجة . ثم ذكر سبحانه شأنا آخر من شؤونهم أشد دلالة على الحمق وضعف العقل ومرض القلب فقال ( وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ ، قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ) أي إن أصابهم رخاء ونعمة قالوا إن اللّه أكرمهم بها عناية بهم وليس لهداية الرسول أثر في ذلك ، وإن أصابهم شدة وجهد قالوا هذا من شؤم محمد علينا ، وهذه مقالة اليهود والمنافقين حين قدم النبي صلى اللّه عليه وسلم المدينة وأصابهم القحط والجدب ، وهذا زعم باطل منهم ، فكل من النعمة والبلية من عند اللّه خلقا وإيجادا يقع في ملكه بحسب السنن التي وضعها والأسباب والمسببات التي أوجدها ( فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً ) أي ما ذا أصاب هؤلاء القوم وما ذا دهاهم في عقولهم ؟ فهم لا يعقلون حقيقة ما يلقونه من الحديث ولا ما يلقى إليهم ، وإنما يأخذون بما يطفو من المعنى بادئ الرأي دون تمحيص ولا تحقيق ، وإذا كانوا قد حرموا هذا الفقه من كل حديث ، فما أحراهم أن يحرموه من حديث يبلغه الرسول عن ربه في الإخبار عن نظم الاجتماع وارتباط الأسباب بالمسببات ، وعما أحاط اللّه به المصطفين الأخيار من وافر الفضل وخصهم به من جميل الرعاية ، فتلك الحكم العالية لا تنال إلا بفضل الروية وطول الأناة والتدبير ، ومن وصل إلى هذا القدر من الفهم لا يقول إن السيئة لا تقع بشؤم أحد ، بل ينسب كل شئ إلى سببه . وفي الآية إيماء إلى أن حصيف الرأي يجب أن يطلب فقه القول دون الأخذ بالجمل والظواهر ، إذ من قنع بذلك بقي في عماية ويظل طوال دهره غرّا جاهلا بما يحيط به من نظم هذا العالم .